قراءة دعوية في السيرة النبوية

نشر في يوليو 10 بواسطة متفائل في الاسلام والبرمجة اللغوية التصنيف
Featured Post Image

المحتويات • المقدمة • الصفحة الأولى : سياج الوقاية والحماية عن العادات الجاهلية . • الصفحة الثانية : الخلوة في العبادة • الصفحة الثالثة : الصلة بالله • الصفحة الرابعة : المدثر • الصفحة الخامسة : إنذار الأقربين • الصفحة السادسة : الحكمة والتهيئة في الإنذار • الصفحة السابعة : النذير العريان • الصفحة الثامنة : دار الأرقم بن أبي الأرقم – أولاً : المعرفة والتعليم – ثانياً : التربية والتكوين • الصفحة التاسعة : الهجرة الأولى إلى الحبشة • الصفحة العاشرة : خروج النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى الطائف • الصفحة الحادية عشر : الهجرة النبوية إلى المدينة • الصفحة الثانية عشر : الجهاد • الصفحة الأخيرة :استكمال جوانب البناء الإسلامي لشتى صور الحياة • دراسات وأبحاث في السيرة النبوية المقدمة نحن – أيها الأحبة – نعلم أنا ما تعبدنا بإتباع أحد إلا بإتباع الرسول – صلى الله عليه وسلم – فهو قدوتنا وأسوتنا ، كما قال – جل وعلا – : { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً } وإذا عرفنا ذلك ظهرت لنا أهمية سيرة النبي – عليه الصلاة والسلام – وتعلمها ، والاقتباس منها ، والإقتداء بها ، سيما في مثل هذه الأعصر التي كثر فيها التخبط ، وازدادت فيها الشبهات ، وتكاثرت الفتن ، وأصبح كلٌ يقول بقول ، ويدعو إلى دعوة ، ويبقى المسلم لا يضبطه شيء إلا دعوة الرسول – صلى الله عليه وسلم – . ومن رحمة الله – عز وجل – بعباده المؤمنين ، وبهذه الأمة على وجه الخصوص ، وبالناس أجمعين عامة ، أن هذه العبرة كانت واضحة مفصلة ، كأنما ولد – عليه الصلاة والسلام – على ضوء الشمس – كما يقول بعض المؤرخين – ، فما من شيء خفي من سيرته ، فنحن نعلم عن مولده ، وعن طفولته ، وعن قبيلته وأسرته ، وعن نسبه وعن حسبه، كما نعلم أيضاً عن حياته في بيته ، ونعلم أقواله وأفعاله ، حتى في أدق الأمور وأبسطها ، فكان ذلك نوعاً من النعمة الكبرى ، حتى يجتري المسلم من سيرة النبي – عليه الصلاة والسلام – كل ما يحتاج إليه . ومن هنا فإن السيرة النبوية يمكن أن تقرأ قراءات عديدة ، فيمكن أن نقرأها قراءة عسكرية في حنكته – عليه الصلاة والسلام – في الغزوات التي قادها ، والسرايا التي أنفذها ، وما يلحق بذلك من الأمور ، ويمكن أن نقرأ السيرة قراءة فكرية ، فيما كان يبينه النبي – عليه الصلاة والسلام – من دحض الشبه ، وإبطال الباطل ، وإقامة الحجة ، إلى غير ذلك من الأساليب والمقتبسات التي يمكن أن تؤخذ من سيرته – عليه الصلاة والسلام – . وقراءتنا هذه هي قراءة دعوية في السيرة النبوية ؛ وهي صفحات متنوعة من سيرة النبي – عليه الصلاة والسلام- إلا أنها متدرجة مترتبة بحسب التاريخ الذي وقعت فيه هذه الأحداث ، وقرئت فيه هذه الصفحات ، إضافة على أن هذه القراءة تأتي قراءة منهجية ، مرتبط بعضها ببعض فهي تعبر عن البداية والخطوة التي بعدها ، وما يلحق بذلك في نوع من بيان الأولويات وترتيبها، ولذلك هي أو هذا الدرس محاولة لاختصار السيرة من خلال عرض مراحل الدعوة فيها ، فنحن نريد أن نرى سيرة النبي – صلى الله عليه وسلم – في دعوته ، والملامح والمعالم التي ينبغي أن يستقيها الدعاة والمربون من هذه السيرة العطرة ، ليكون تأسيسهم وبناؤهم ودعوتهم على طريقة قويمة ، وأن تؤتي بإذن الله – عز وجل – الثمار المرجوة المنشودة الصفحة الأولى : سياج الوقاية والحماية عن العادات الجاهلية روى البخاري ،أنه ‏لما بنيت ‏‏الكعبة ‏ذهب النبي -‏ ‏صلى الله عليه ‏وسلم -‏ ‏والعباس ‏ ‏ينقلان الحجارة ، فقال ‏‏العباس ‏‏للنبي ‏- ‏صلى الله ‏عليه ‏وسلم -‏ ‏اجعل ‏ إزارك على رقبتك ، فخر إلى الأرض ‏، ‏وطمحت ‏ ‏عيناه إلى السماء ، فقال : ‏أرني إزاري فشده عليه . وروى الحاكم عن علي مرفوعاً إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال : ( ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون به غير مرتين ، كل ذلك يحول الله بيني وبين ما أريد من ذلك ، وما هممت بسوء حتى أكرمني الله – عز وجل – برسالته ، فإني قد قلت ليلة لغلام من قريش كان يرعى معي بأعالي مكة ، لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة فأسمر بها كما يسمر الشباب ، فقال : افعل فخرجت أريد ذلك ، حتى إذا جئت أول دور من دور مكة سمعت عزفاً بالدفوف والمزامير فقلت ما هذا ؟ فقالوا : فلان بن فلان تزوج فلانة بنت فلان ، فجلست أنظر إليهم ، فضرب الله على أذني فنمت ، فما أيقظني إلا مس الشمس ، فجئت إلى صاحبي فقال : ما خبرك ؟ فقصصت عليه الخبر ، ثم كان ذلك ثانية فلما جلست لأستمع ضرب الله على أذني فنمت فما أيقظني إلا مس الشمس ) . قال : فلم يقع منه – عليه الصلاة والسلام – إلا مثل هذا . قال الحاكم : صحيح على شرط مسلم ، ووافقه الذهبي ، وضعف بعضهم هذا الحديث بعلل معتبرة عند بعض أهل العلم ، وقال ابن كثير- رحمة الله عليه – في تاريخه : هذا غريب جداً ولكن هذه الراويات بمجموعها مع وجود رواية صحيحة في البخاري هي التي نريد أن نقف فيها الوقفة الأولى . إذ هذه الصفحة من سيرته – عليه الصلاة والسلام – تبين لنا معلماً مهماً من معالم الدعوة ، وهو تجنب التأثير السلبي للمجتمع المنحرف ، ذلك أن النبي – عليه الصلاة والسلام – قد عاش في هذه الجاهلية التي كانت منحرفة في أفكارها وعقائدها ، وكانت أيضاً منحرفة في سلوكها وأخلاقياتها، وكانت منحرفة في قوانينها وعاداتها، إلا أنه – عليه الصلاة والسلام – لم يشارك هؤلاء القوم بشيء من هذا ، ولم يخالطهم فيه ، ولم يقبل منهم ذلك ، بل كان بما وفقه الله – عز وجل – إليه ، وما عصمه به ، مجتنباً هذه الصور الانحراف
ية كلها ، وهذا أمر مهم في شأن الدعوة ، وهو سياج الوقاية والحماية ولا بد لنا أن ندرك أن الوقاية أهم وأولى في التقديم من العلاج . ولذلك في مجال الدعوة سيما في الأعصر التي تختلط فيها المفاهيم الأساسية ، ولا تتمثل معالم المجتمع الإسلامي تمثلاً كاملاً ، وإذا بمبادئ ومذاهب فكرية تخالف دين الله – عز وجل – وإذا بشرائع وأحكام وقوانين لا تتفق مع شريعة الله – سبحانه وتعالى – وإذا بأوضاع وعادات وتقاليد لا تتطابق مع هدي الرسول – صلى الله عليه وسلم – وإذا بالمسلم في وسط هذه البيئة إن خالطها أو أخذ شيئاً منها أو قبلها أو فتن بها أو اعتقدها أو دعا إليها ، فلا شك أنه سيكون متأثراً غاية التأثر وسيضع هذا الاشتراك بصماته على فكره ، وعلى قلبه ، وعلى سلوكه وتصوراته، ولذلك لا بد أن نؤكد على هذا المعنى ، وهو معنى أن يعتزل المسلم كل انحراف في الجاهلية التي يعش فيها ، وألا يكون موافقا لها من ناحية المبدأ ، وألا يكون مائلاً لها من ناحية الشعور ، وألا يكون متطابقاً معها من ناحية السلوك ، وألا يكون مساعداً لها من ناحية الغض عنها أو عدم السعي لإنكارها ، وتضييق سبل ترويجها وقوتها وانتشارها . ولذلك ورد الحديث عن النبي – صلى الله عليه وسلم – في ذم بني إسرائيل وتلا – عليه الصلاة والسلام – قول الله – جل وعلا – في وصفهم : { كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون } والنبي – عليه الصلاة والسلام – قال : (‏ إن ‏ ‏بني إسرائيل ‏ ‏لما وقع فيهم النقص كان الرجل فيهم يرى أخاه على الذنب ‏ ‏فينهاه عنه فإذا كان الغد لم يمنعه ما رأى منه أن يكون أكيله وشريبه وخليطه فضرب الله قلوب بعضهم ببعض … )‏‏ ‏ فهذا معلم مهم ينبغي أن يرسخه أهل الدعوة ، أهل العلم والإيمان وهو أن ينشئوا في قلب المؤمن تلك العزلة الشعورية ، والمفاصلة القلبية ، والمفارقة من حيث الاعتقاد والمبدأ لكل صورة انحرافية يعيشها المسلم في وسط أي مجتمع من المجتمعات . وذلك حتى يبرأ من الآثار ، لأن القلب والنفس جهاز استقبال فإذا سمع المرء الخنا ، وإذا رأى الفحش والفجور ، وإذا سمع مقالات الباطل ، يوشك أن ينطبع بعضها في قلبه ، وأن يغيّر في فكره ، وأن يؤثر في سلوكه ، وهذا معلم مهم يعد أول الخطوات التي هي الوقاية استعداداً لما بعدها . الصفحة الثانية : الخلوة في العبادة ومن سيرته – عليه الصلاة والسلام – أنه ( كان يتحنث الليالي ذوات العدد في حراء ) وفي رواية خديجة – رضي الله عنها – قالت : فكنت أزوده لذلك فيختلي في غار حراء الشهر والشهرين أو أكثر من ذلك، فقد ورد في بعض الراويات في سيرة ابن هشام : انه كان يمكث شهراً من كل سنة ، وفي بعض الراويات : أنه كان يمكث ستة أشهر ، وهذا المعلم معلم مهم أيضاً في حياة المرء المسلم في البيئة الجاهلية ، فكما أنه فارقها بقلبه ؛ فإنه يحتاج إلى خلوة يخلو بها ويخلد بها من سخط الدنيا إلى الهدوء الذي يتأمل فيه في ملكوت الله – عز وجل – ويخرج من فتنة إغراء ومدح المادحين ، وذكر محاسنه ومناقبه ، إلى خلوة يتذكر فيها أمره ، ويحاسب نفسه ، كما أنه يخرج من هذه المشكلات والمعضلات التي قد تؤثر على نفسه وعلى إيمانه ، فيصفو قلبه في لحظات من المناجاة لله – عز وجل – والدعاء له ، والسكينة إليه -سبحانه وتعالى – . ولذلك يحتاج المسلم بين الفينة والأخرى إلى أوقات قليلة من يومه ، وإلى أوقات أطول قليلاً من أسبوعه وشهره ، حتى يجعل لنفسه هذه المحطات التي يراجع فيها نفسه ، ويخلصها من أدرانها وأوضارها ، وأن يكون أيضاً مستقلاً فيها عن كل ما يؤثر على فكره ورأيه وموقفه ، ليكون ذلك أدعى له على تجديد نشاطه ، وعلى تقويم مسيرته . وكانت هذه في حياة النبي – صلى الله عليه وسلم – قبل بعثته ، فكانت معيناً له ، ومهيأ له بما استقبل من الوحي بعد ذلك وما تلقاه من الرسالة التي وردت في الصحيح من حديث النبي- صلى الله عليه وسلم – في وصف أول اتصال بين الأرض والسماء، وأول نزول للوحي على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فلما كان في بعض أيامه ولياليه في غار حراء كما يقول – عليه الصلاة والسلام – إذ نزل عليه جبريل فقال له : اقرأ فقال النبي – صلى الله عليه وسلم – : ما أنا بقارئ ! قال : فأخذني فغطني ـ أي بمعنى ضمّني ـ حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني ـ أي أطلقني ـ فقال : اقرأ ، قلت : ما أنا بقارئ ! قال : فأخذني فغطني الثانية ثم أرسلني فقال : اقرأ، قلت : ما أنا بقارئ ! ثم غطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال : اقرأ، قلت : ما أنا بقارئ ! قال : { اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم } فكان هذا أول نزول للوحي على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – . الصفحة الثالثة : الصلة بالله وفي هذه الصفحة معلمان مهمان في حياة الإنسان المسلم وفي سيرة الدعوة التي ينبغي أن ننتبه لها : ـ 1 ـ الصلة بالله – عز وجل – ؛ فإنه لا يمكن للإنسان المسلم أن يواجه الباطل ، ولا أن يقف في وجه الأعداء ، ولا أن يتغلب على شهوات النفس ، ولا أن يستعلي على فتن الدنيا ، ولا أن يكون موصول الحبل بالله – عز وجل – والنبي – صلى الله عليه وسلم – منذ أن اقتبس هذه النبوة أو قبست في قلبه هذه النبوة والرسالة بالوحي ، بقي مشدوداً بهذا الحبل المتين في الصلة بالله – عز وجل -، تلك الصلة التي تجعل المرء كلما احلولكت في وجهه الظلمات ، وسدت في وجهه الأبواب ، وجد أن النور والشعاع والضياء فيما عند الله – عز وجل – ، ووجد أن الفرج والتنفيس والنصر من عند الله – عز وجل – كما ورد في قوله – سبحانه وتعالى – { الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقال

اشترك معنا:
  • Print
  • Digg
  • Sphinn
  • del.icio.us
  • Facebook
  • Mixx
  • Google Bookmarks

اكتب تعليقا